العيني

77

عمدة القاري

له . قوله : * ( إذ تقول ) * ظرف لقوله : نصركم ، أو بدل ثان من : إذ غدوت ، وقال ابن كثير : اختلف المفسرون في هذا ، هل كان يوم بدر أو يوم أحد ؟ على قولين : أحدهما : أن قوله : ( إذ تقول ) يتعلق بقوله : * ( ولقد نصركم الله ببدر ) * ، روي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم ، واختاره ابن جرير . والثاني : أنه يتعلق بقوله : * ( وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ) * ( آل عمران : 121 ) . وذلك يوم أحد ، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم ، لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بخمسة آلاف لأن المسلمين فروا يومئذ ، زاد عكرمة : ولا بثلاثة آلاف . قوله : * ( ألن يكفيكم ) * قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن داود عن عامر يعني الشعبي : أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين ، فشق عليهم ، فأنزل الله : * ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) * إلى قوله : * ( مسومين ) * قال : فبلغت كرز الهزيمة فلم يمد المشركين ، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة آلاف . وقال الربيع بن أنس : أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف . فإن قلت : ما الجمع بين هذه الآية على هذا القول ، وبين قوله في قضية بدر : * ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) * ( الأنفال : 9 ) . قلت : التنصيص على الألف ههنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها ، فمعنى : مردفين ، يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم ، والكفاية مقدار سد الخلة ، والاكتفاء الاقتصار على ذلك ، والإمداد إعطاء الشيء بعد الشيء . قال المفضل : كل ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه : أمده ، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل فيه : مده ، ومنه قوله تعالى : * ( والبحر يمده ) * ( لقمان : 27 ) . وقال بعضهم : المد في الشر والإمداد في الخير ، بدليل قوله : * ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) * ( البقرة : 15 ) . * ( ونمد له من العذاب مداً ) * ( مريم : 79 ) . وقال في الخير : * ( إني ممدكم بألف ) * ( الأنفال : 9 ) . قوله : ( بلى ) تصديق لما وعده بالإمداد والكفاية . وقال الزمخشري : بلى ، إيجاب لما بعد لن ، يعني : بل يكفيكم الإمداد بهم ، فأوجب الكفاية . قوله : ( أن تصبروا ) أي : على لقاء العدو وتتقوا معصية الله ومخالفة نبيه . قوله : ( ويأتوكم من فورهم هذا ) ، يعني المشركين من فورهم هذا يعني : من ساعتهم هذه ، قيل : يوم فورهم يوم بدر ، وقيل : يوم أحد ، وقيل : يوم فورهم يوم غضبهم ، ثبت هذا في رواية الكشميهني ، وهو قول عكرمة ومجاهد ، وروي عن الحسن وقتادة والربيع والسدي : أي : من وجههم هذا ، وأصل الفور غليان القدر ، ثم قيل للغضبان : فائر . قوله : ( يمددكم ) ، جزاء . أن : قوله : ( مسومين ) ، أي : معلمين بالسيماء ، قال أبو إسحاق السبيعي : عن حارثة عن مضرب عن علي بن أبي طالب قال كان سيماء الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض وكان سيماؤهم أيضاً في نواصي خيولهم وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي هريرة : * ( مسومين ) * قال : بالعهن الأحمر . وقال مكحول : مسومين بالعمائم ، وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في قوله : مسومين ، قال : معلمين ، وكانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم سود ، ويوم أحد عمائم حمر ، وروى من حديث حصين بن مخارق عن سعد عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، قال : لم تقاتل الملائكة إلاَّ يوم بدر ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الأحمسي حدثنا وكيع حدثنا هشام ابن عروة عن يحيى بن عباد أن الزبير ، رضي الله تعالى عنه كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجراً بها ، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر ، وقال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس ، قال : كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض ، قد أرسلوها في ظهورهم ، ويوم حنين عمائم حمر ، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر ، وكانوا يكونون عدداً ومددا لا يضربون ، وقال عروة : كانت الملائكة يومئذ على خيل بلق وعمائمهم صفر ، وقال أبو إسحاق : عمائمهم بيض ، وقال الحسن : عملوا على أذناب خيلهم ونواصيهم بصوف أبيض . قوله : ( وما جعله الله إلاَّ بشرى لكم ) ، أي : ما جعل الله هذا الوعد إلاَّ بشارة لكم . قوله : ( ولتطمئن قلوبكم به ) ، واضح مثل : * ( وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ) * ( فصلت : 12 ) . قوله : ( وما النصر إلاَّ من عند الله ) أي دون الملائكة ، وكثرة العدد ، ولكن نزولهم سبب من أسباب النصر لا يحتاج الرب إليه . قوله : ( العزيز ) ، أي : الذي لا يغالب ، ( الحكيم ) ، الذي تجري أفعاله على ما يريد وهو أعلم بمصالح العبيد . قوله : ( ليقطع طرفاً ) ، فيه حرف العطف محذوف أي : وليقطع طائفة ( من الذين كفروا ) ، وقال السدي : ليهدم ركناً من أركان المشركين بالقتل والأسر . قوله : ( أو يكبتهم ) أي : يهزمهم ، وقيل : يصرعهم ، وقيل : يهلكهم ، وقيل : يلعنهم . قوله : ( فينقلبوا ) ، أي : فيرجعوا خائبين أي : لم يحصلوا على ما أملوه .